ابن ميمون
263
دلالة الحائرين
--> أحدها : لو انتهت القسمة إلى أجزاء هذه صفتها فلا يخلو إما أن لا يمكن أن تتلاقى أو يمكن فإن لم يمكن لم يكن الجسم حاصلا من تأليفها وإن أمكن فلنفرض ثلاثة أجزاء متلاقية فاما أن يكون الجزء الأوسط حاجبا للطرفين عن التلاقى أولا يكون فإن كان حاجيا كان ما يلاقى منه أحد الطرفين غير ما يلاقى الطرف الآخر ، فيكون منقسما ، وإن لم يحجب كان كل واحد من الطرفين ملاقيا للوسط بالكلية ، إذ لو لم يكن بالكلية لكان منقسما ، وإذا كان كذلك فلا يزيد الثلاثة على حجم الواحد منها ، فلا يكون التركيب من مثل هذه الأجزاء مفيدا للحجمية حاصلة من تركيبها وقد وضعناه كذلك ، وهذا خلف . الثاني : أن الصفحة المركبة منها إذا استنارت باشراق الشمس عليها كان الوجه المستنير مغايرا لما لا يكون كذلك فانقسمت . الثالث : الجسم قد يكون ظله مثليه فيكون مثله من الظل ظل نصف الجسم فإذا فرضنا هذا الجسم مركبا من عدد وتر ، كان ظله شفعا فكان له نصف هو ظل نصف الجسم ، فيكون هذا الجسم منقسما بقسمين متساويين فيكون قد انقسم الجزء . الرابع : برهن أوقليدس بشكل العروش على أن وتر القائمة جذر مربعى الضلعين المحيطين بها . فإذا كان الضلعان المحيطان بالقائمة كل واحد منهما عشرة أجزاء كان وتر القائمة جذرا لما بين ، وليس للما بين جذر صحيح فلا بد من انقسام الجزء . الخامس : برهن أوقليدس على أن السطوح المتوازية الأضلاع التي تكون على قاعدة واحدة وفي جهة واحدة وبين خطوط متوازية تكون متساوية ، فإذا فرضنا سطحين بهذه الصفة وأحدهما أربعة في أربعة ، فيكون مركبا من ستة عشر جزءا ، والآخر طوله من المشرق إلى المغرب فيلزم أن يكون السطح الثاني مركبا من ستة عشر جزءا وهو محال . فان قلت ، وهذا لازم على صاحب الأصول أيضا ، لأن أحد السطحين إذا كان شبرا في شبر ، والآخر من المشرق إلى المغرب فكيف يكونان متساويين ؟ قلت : إذا كان أحد السطحين قائما على القاعدة والآخر مائلا ، فكلما ازداد طول الثاني نقص عرضه ، فلا استحالة فيه . السادس : لو كان الجزء حقا لكانت الحركة باطلة لكن الحركة حقة ، فالجزء باطل . بيان الشرطية : إن المتحرك من جزء إلى جزء حركته : إما على الأول ، وهو محال ؛ لأنه عند الأول لم يتحرك بعد ، أو على الثاني ، وهو أيضا محال ، لأنه عند وصوله إلى الثاني يكون قد انتهت حركته ، لأن الحركة هي سبب وصوله إلى مماسته الثاني ، فلا تكون هي هي فقد صحت الشرطية ، لكن التالي فاسد بالضرورة ، فالمقدم مثله . السابع : لو كان الجزء ، حقا لكانت الدائرة باطلة ، لكن الدائرة حقة فالجزء باطل . بيان الشرطية : هو أنه لو أمكنت الدائرة حينئذ : إما أن تكون الأجزاء الحاصلة فيها متلاقية الظواهر أو لا تكون ، والثاني باطل ، وإلا يحصل في كل جزء شغل وفراغ ، فيلزم الانقسام ، هذا خلف . وإن كانت متلاقية الظواهر : أمكن أن تجعل دائرة أخرى محيطة أو متصلة بها ، فاما أن يرتكب على جزء من الدائرة الداخلة جزء من الدائرة الخارجة ، أو جزءان فصاعدا ، والثاني محال وإلا لزم الانقسام في الجزء المرتكب عليه ، والأول : يقتضي أن يكون عدد أجزاء الخارجة مثل عدد أجزاء الداخلة ، وهكذا تفرض إحاطة دوائر أخرى بهما ثالثة ورابعة إلى أن ينتهى إلى حد يحصل طوق مثل طوق الفلك الأعظم مع أنه يكون عدد أجزائه مثل عدد أجزاء الدائرة الصغيرة التي فرضناها أولا ، وهذا محال . وأما بيان أن الدائرة حقة ، فمن وجهين ، أحدهما : أنا نرى في الحس ما هو في الاستدارة